الشمّاس عبد الله زاخر ومطبعته في دير الشوير

مطبعة الشمَّاس عبدالله زاخر، أوَّل مطبعة عربيَّة أُنشأت في لبنان،  منذ بدايات القرن الثامن عشر.

أولاً: عبدالله زاخر ومطبعته العربيَّة:

هو سليل أسرةٍ حمويَّة الأصل، هاجرت إلى حلب في النصف الثاني من القرن السابع عشر،  نعرف منها جدَّه الخوري يوحنَّا، وأباه زخريَّا وعمَّه نعمة الله اللذين أطلق عليهما وعلى أولادهما لقب “الصايغ” لممارستهم مهنة “الصياغة”.

لعبدالله أخ اسمه سمعان وابن أخ يدعى لطف الله، ولعمِّه نعمة الله ثلاثة أولاد أخصُّ بالذِّكر منهم الخوري نقولا الصائغ الشهير، الرئيس العام الثاني على الرهبانيَّة الباسيليَّة الشويريَّة، وأحد روّاد النهضة الأدبيَّة في القرن الثامن عشر، الذي، بسماح منه، حصل عبد الله على مقرٍّ لمطبعته في دير مار يوحنَّا الصابغ في الخنشارة.

أمّا مولد عبدالله فكان نحو سنة 1648 في مدينة حلب، وقد نشأ في بيئة حلبيَّة مسيحيَّة صالحة، في كنف والديه زخريا وإبركسيّا، وقد ظهرت عليه، منذ طفولته، سيماء النباهة والذكاء فلقِّب بـ “الزاخر”، ولمَّا بلغ الحادية عشرةْ من عمره أظهر ميلاً كبيراً إلى الأشغال الدقيقة، فعلَّمه أبوه الصياغة وكلُّ ما يمتُّ إليها بصلةٍ من حفر ونقش وإذابة وإفراغ بعض المعادن، كما راح من تلقاء نفسه، يُقلِّد ما يراه من المصنوعات الفنيَّة المستوردة، بل متخطيّاً إياها إلى أشياء جديدة من مبتكرات نبوغه (الساعة مثلاً) علاوة على ذلك، شعر عبدالله بميله الشديد إلى العلم أسوةً بنخبة الشباب الحلبيين من رفاقه، فتعرَّف، مع ابن عمِّه نقولا، سنة 1711 إلى الشيخ سليمان النحوي، أشهر مدرِّسي العربيَّة في المدينة، وأتقن على يده الصرف والنحو والعروض والبيان، ودرس، إلى جانب ذلك، العلوم الدينيَّة واللاهوتيَّة على يد الخوري يوحنَّا بجع خرِّيج المعاهد الرومانيَّة، وفي هذه الحقبة توطَّدت صداقته مع القس جبرائيل فرحات الماروني ومكرديج الكسيح الأرمني، وتقرَّب من المرسلين اللاتين، لا سيَّما الآباء اليسوعيين منهم.

وكان عبدالله على علاقة وثيقة بالبطريرك أثناسيوس الدبَّاس، إذ كان يُلقِّن الإكليريكيين التابعين له العلوم الكنسيَّة، ويُساعده، مع أخيه سمعان، في إدارة مطبعته، المُسمّاة ب “مطبعة حلب”، البطريرك التي استقدمها من بوخارست (رومانيا)، إلى أن انفصل عنه، في العام 1720، نظراً لتباين العقيدة بينهما، وتحوَّلت القطيعة إلى خصومة وجفاء وهروب من حلب إلى لبنان، إذ اقترح عليه أصدقاؤه اليسوعيون أن يذهب إلى مقرِّهم في عينطورة كسروان، لكنَّه آثر أن يأتي إلى دير مار يوحنا في الخنشارة، مقرِّ ابن عمِّه الخوري نقولا، وقد وصله في 21 تشرين الثاني 1722.

وخلال الأعوام 1723- 1726 تنقَّل بين دير مار يوحنَّا وزوق مكايل وعينطورة ودير سيّدة اللويزة، وهناك خطر له تأسيس أوَّل مطبعة بالحرف العربي في لبنان، وأول مطبعة في الشرق بآلات من صنعه، وباشر بصنعها بمساندة صديقه الأب بطرس فروماج اليسوعي، والمقدسي سليمان قطَّان الزوقي، إلى أن كان عام 1731 فانتقل عبدالله زاخر إلى دير مار يوحنَّا، حاملاً معه ما قد هيَّأه من أدوات الطباعة. وما إن أطلَّ عام 1733 حتَّى تحقَّق المشروع، وبدأت المطبعة الزاخريَّة تطبع بالحرف العربي وتنشر الكتب الدينيَّة والرُّوحيَّة والتعاليم الكاثوليكيَّة، لأنَّه من أجل هذه الغاية أنشأ عبدالله مطبعته، ليتسنَّى لأكبر عدد ممكن من الناس الاطِّلاع على آرائه وعلى تعليم الكنيسة الكاثوليكيَّة، هذا ما تُطالعنا به مخطوطة سيرة حياته التي سطَّرها تلميذه القس يواكيم مطران الراهب الباسيلي الشويري.

ثانياً: النشاط الرسولي في المطبعة :

ابتدأ العمل في المطبعة ما بين 15 نيسان و19 تموز سنة 1733 بطبع 800 نسخة من كتاب “ميزان الزمان”، الذي تمَّ إنجازه في 16 شباط 1734.

ومنذئذٍ أخذت المطبوعات الدينيَّة والطقسيَّة تنتشر في معابد وأديار ومدارس لبنان والبلدان العربيَّة. بعض هذه المطبوعات (كالمزامير مثلاً) اعتمدت عليها المدارس لتلقين الأولاد مبادئ القراءة والاستظهار، فضلاً عن كتب التعليم المسيحي، بطريقة السؤال والجواب، التي عمَّ انتشارها أيضاً لسهولتها واقتضابها.

بعد وفاة الشمَّاس عبدالله في 31 آب 1748 سلَّمت الرهبانيَّة، بناء لوصيَّته، إدارة وترتيب أمر المطبعة للمقدسي سليمان قطان الزوقي، ما بين 1748-1775 ومن ثم إلى ابن أخيه موسى، الذي أصبح، فيما بعد، كاهناً ثُمَّ بطريركاً باسم إغناطيوس الخامس قطان.

من بعده، الرهبان – دون سواهم – تسلَّموا المطبعة والشدَّة، وعملوا فيها حتى تاريخ توقفها عن العمل سنة 1899 بسبب مزاحمة المطابع العصريَّة لها، وكان عددهم سنة 1784، – بحسب الرحالة الفرنسي فولني، أربعة يقومون بأشغال المطبعة، وأربعة بتجليد الكتب.

وقد بلغ عدد ما أُنجز، طيلة فترة عمل المطبعة، 33 عملاً طباعيّاً، وقد طُبع الكثير من هده الأعمال عدَّة مرّات. 

ثالثاً: لائحة المطبوعات في دير الشوير 1734 – 1899:

1- ميزان الزمان، للأب يوحنا أوسابيوس نيرامبرك اليسوعي، ترجمة الأب بطرس فروماج، تعريب عبدالله الزاخر، 1734 (362 صفحة).

2- كتاب الزبور الإلهي لداود النبي، ترجمه من اليونانيَّة عبدالله ابن الفضل الأنطاكي، وقد صدَّره عبدالله زاخر بمقدِّمة، 1735، 1739، 1753، 1764، 1770، 1780، طبعاً سابعاً 1797، 1809، 1820، 1823، 1846، 1863، 1871، 1894، 1899 (354 صفحة + أ – ن).

3- كتاب وجيز يشتمل على تأملات روحيَّة لأيام الأسبوع، ألَّفه أحد الآباء الكرمليين في حلب سنة 1721، شواهد الكتاب المقدَّس فيه بالحرف الأحمر، 1736 (159 صفحة)

4- كتاب المرشد المسيحي، للأب دوترمان اليسوعي، ترجمة الأب بطرس فروماج، 1738 (457 صفحة).

5- كتاب احتقار أباطيل العالم للمعلِّم الفاضل ديدكس ستاله، تعريب عبدالله زاخر، الجزء الأول 1739 (579 صفحة).

6- كتاب احتقار أباطيل العالم للمعلِّم الفاضل ديدكس ستاله، تعريب عبدالله زاخر، الجزء الرابع، افتتاح 1740 (582 صفحة).

7- كتاب مرشد الخاطئ في سرِّ التوبة والاعتراف، الأنبا بولس سنييري اليسوعي الإيطالي، ترجمة فروماج، تعريب زاخر، 1739، طُبع 1747، 1794، 1836 (285 صفحة).

8- كتاب تفسير سبعة مزمورات من مزامير داود النبي الملقبات بمزامير التوبة (6، 31، 37، 50، 101، 129، 142)، المنسوب للأب بطرس أرنودي اليسوعي، المعرَّب من الشمَّاس عبدالله زاخر، 1753 (311 صفحة).

9- مختصر التعليم المسيحي الملتزم بمعرفته كلُّ مؤمن، (حجم صغير)، 1756 (42 صفحة)، 1807، طبعاً سابعاً 1867 (64 صفحة).

10- أعمال الرسل والرسائل، 1756، 1770، 1792، 1813، 1825، 1859، 1872 (404 صفحات).

11- كتاب مرشد الكاهن، الأنبا بولس سنييري، ترجمة فروماج حلب 1739، طبع 1760 (304 صفحات).

12- كتاب البرهان الصريح في حقيقة سرَّي دين المسيح وهما: سرّ التثليث وسرّ التجسد الإلهي، تأليف عبدالله زاخر 1721، طُبع 1764 (169 صفحة).

13- الأكطويخوس، المشتمل على الثمانية الألحان للقيامة، 1767 (478 صفحة)، ثانياً 1784 (488 صفحة)، رابعاً 1816، خامساً 1827، 1840، 1856، 1866 (489 صفحة).

14- كتاب إيضاح التعليم المسيحي، استخرجه إلى العربيَّة البادري بطرس فروماج، طرابلس 1735، طبع 1768 (399 صفحة).

15- كتاب تأملات جهنَّم المريعة وحماقة الخطأة الفظيعة، استخرجه إلى العربيَّة الإيبوذياكون يوسف بن جرجس الحلبي الماروني، 1769 (163 صفحة).

16- كتاب قوت النفس المشتمل على تأملات شهريَّة في آلام سيدنا يسوع المسيح، للأنبا فرنسيس راينالدي اليسوعي من مدينة ماتيليكا. إيطاليا، ترجمة ميشال مرزاق ب.م، تلميذ معهد اليونان، 1772 (345 صفحة).

17- كتاب النبؤات الكنائسي، 1775، ثانياً 1813، ثالثاً 1833، رابعاً 1885 (227 صفحة).

18- الإنجيل الشَّريف الطاهر والمصباح المنير الزَّاهر، مقسَّماً على مدار السنة، ومزيَّناً بصور الإنجيليين الأربعة، 1776 (315 صفحة)، 1818، 1861، (316 صفحة).

19- الأورولوجيون أي السواعي، 1779، 1787، ثالثاً 1805، 1822، 1852، 1879 (752 صفحة).

20- المجمع اللبناني، 1788 (558 صفحة).

21- منشور قدس الأب السيد كيريو كير أغابيوس البطريرك، 1796.

22- كتاب قطف الأزهار في علم الذمَّة والأسرار، ترجمة عمَّانوئيل شمَّاع الراهب المخلِّصي، بالسؤال والجواب، 1797 (324 صفحة).

23- كتاب شرح التعليم المسيحي في قواعد الإيمان القويم، تأليف المطران جرمانوس آدم، 1802 (223 صفحة).

24- إرشاد إلى معلِّمي الاعتراف، للمطران جرمانوس آدم مطران مدينة حلب، في مار مخايل الزوق، طبع 1804 (73 صفحة).

25- كتاب المجمع الأنطاكي، المنعقد بأمر قدس السيِّد كيريو كير أغابيوس مطر البطريرك الأنطاكي في دير مار أنطونيوس الغرب. القرقفي، 1810 (239 صفحة).

26- مرسوم المجمع المقدَّس بخصوص صورة سرّ الإفخارستيَّا بأنَّها قايمة بالكلمات الربَّانيَّة، 1812.

27- كتاب التعليم المسيحي مع بعض إرشادات في آخره، 1828 (132 صفحة).

28- منشور السيِّد الكلِّي الشرف رئيس أساقفة إيقونية نايب وقاصد رسولي، لأجل افتتاح الرسالة من مدينة بيروت، 1834.

29- منشور السيِّد الكلِّي الشرف رئيس أساقفة إيقونية نايب وقاصد رسولي، لأجل صوم الأربعين، 1835 (حجم كبير، 4 صفحات).

30- منشور قدس الأب السيِّد كيريو كير مكسيموس البطريرك الأنطاكي وسائر المشرق الكلِّي الطوبى، قانون مجمع عين تراز، 1836.

31- تفسير بشارة القدِّيس يوحنَّا الإنجيلي الثاولوغوس ليوحنَّا فم الذهب، نقله من اليونانيَّة عبدالله ابن الفضل الأنطاكي، المجلَّد الأول، 1836 (320 صفحة).

32- كتاب طريقة علم لأجل البروتستانت، استخرجه من اللغة الإيطاليانيَّة الخوري مرتينوس معلوف، تلميذ معهد انتشار الإيمان وأب عام الرهبنة، 1843 (510 صفحات).

33- كتاب الليتورجيا الإلهيَّة التي لأبينا الجليل في القدِّيسين يوحنَّا فم الذهب، بحرفين أحمر وأسود، 1843 (73 صفحة)، 1880 (88 صفحة + أ – ن).

 

رابعاً: من خصوصيات المطبعة:

أ‌-    استعان الشمَّاس عبدالله بالناسخ جبرائيل لبَّاد ليكتب الأحرف العربيَّة قبل تقديمها للحفر والصَّب. وكان جبرائيل بن مخايل لبَّاد الحموي، وهو من سكان حلب، من أشهر خطَّاطي القرن الثامن عشر، وقد طارت شهرته بجمال خطِّه حتى أصبح مضرب مثل، فيقال: “خط لبّادي”.

ب‌- في 22 تشرين الأول سنة 1740، وجَّه الشمَّاس عبدالله رسالة مُسهبة إلى الأب بطرس فروماج اليسوعي يردُّ فيها على ادّعاءاته، ويُثبت أنَّه المؤسِّس الوحيد للمطبعة، ويعرض تكاليفها، في الصفحة 96 من تلك الرسالة، فكانت ، حتى تاريخه ، نحو “1500 غرشاً” من عملة ذلك الزمان.

ج‌- خزانة المخطوطات، في دير مار يوحنا، تحتوي على عدَّة نماذج “وصفات” في طريقة تركيب الحبر النادر، الذي كان يستعمل في المطبعة، والذي تميز بعدم انحلاله في الماء، وبالمحافظة على نضارة لونه على مرّ الزمن.

د‌-   كلّ الأدوات والمواد الأوليَّة كانت تؤمَّن وتُصنَّع في لبنان، ما عدا الورق الذي كان يُجلب من رومة.

ه‌-    وكلاء الرهبانيَّة في مختلف أنحاء لبنان وسورية وفلسطين ومصر، لم يهتمُّوا فقط ببيع الكتب المطبوعة في دير مار يوحنَّا، بل كانوا يشترون أيضاً المخطوطات القديمة، ويرسلونها إلى مكتبة الدير، والعديد منها كان مصدرها مصر.

و‌-    أطول مدَّة زمنيَّة عرفها عمر مطبعة، كانت لمطبعة زاخر إذ بلغ زمن عملها 166 عاماً.

ز‌-    خلافاً لغيرها من المطابع القديمة، المطبعة الزاخريَّة محفوظة، بكاملها، في بناء مهد نشأتها في دير مار يوحنا.

ح‌- أدخلت المديريّة العامة للآثار في الجمهورية اللنانية المطبعة في قائمة الجرد العام للأبنبة الأثرية، بموجب القرار رقم 788 تاريخ 16\ 10\ 1962. 

ط-   خلّدت نقابة أصحاب المطابع في لبنان مؤسِّس المطبعة بلوحة تاريخية في 17 تشرين                الثاني 1963.

ي‌- ترميم المطبعة من قبل المديرية العامة للآثار، سنة 1966.

ك‌- أعيد تأهيل المطبعة وتحوَّلت إلى متحف سنة 1997.

ل-   افتتاح المطبعة – المتحف سنة 1998، بمناسبة مرور مئتين وخمسين عاماً على وفاة    الشمَّاس عبدالله زاخر.

م-    إصدار طابع بريدي تذكاري من فئة 1000 ل.ل ، سنة 2001،  باسم ” عبدالله زاخر مؤسِّس المطبعة العربيّة الأولى”.

 

أخيراً، وقبل أن أُنهي حديثي، أَوَدُّ أن أشير أيضاً إلى مطبعتين هامتين في كنيسة الروم الكاثوليك هما: أولاً المطبعة المخلِّصيَّة وهي مطبعة بيروت السابعة التي أُنشأت سنة 1865 في عهد الأب العام يوحنا كحيل، وثانياً المطبعة البولسيَّة التي أسَّسها السَّعيد الذِّكر المطران جرمانوس معقَّد والأب بولس سيُّور في حريصا سنة 1910، ثمَّ انتقلت إلى جونية، حيث ما تزال تعمل، بتألُّق وإتقانٍ مميَّز، حتى الآن.

 

وختاماً، حفظ الله لبنان، قبلةً للأنظار ومحطّاً دائماً للعلم والحضارة والجمال والإبداع، وحفظ لنا أديارنا، هذه الصروح العريقة المحتاجة، دائماً إلى الرعاية والعناية والصيانة من التَّلف والأيادي السود.

 

الأرشمندريت بولس نزها

النائب العام

للرهبانيَّة الباسيليَّة الشويريَّة

صور من المطبعة الأثرية

البث المباشر